أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
28
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن الضمير في « مِثْلَيْهِمْ » وإن كان المراد به المؤمنين إلا أنه عاد على قوله : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، والفئة المقاتلة هي عبارة عن المؤمنين المخاطبين ، والمعنى : ترون أيها المؤمنون الفئة الكافرة مثلي الفئة المقاتلة في سبيل اللّه ، فكأنه قيل : ترونهم أيّها المؤمنون مثليكم . وهو جواب حسن ومعنى واضح . الثالث : أن يكون الخطاب في « لَكُمْ » وفي « ترونهم » للكفار ، وهم قريش ، والضمير المنصوب والمجرور للمؤمنين ، أي : قد كان لكم أيها المشركون آية حيث ترون المؤمنين مثلي أنفسهم في العدد ، فيكون قد كثّرهم في أعين الكفار ليجبنوا عنهم ، فيعود السؤال المذكور بين هذه الآية وآية الأنفال ، وهي قوله تعالى : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ « 1 » ، فكيف يقال هنا إنه كثّرهم فيعود الجواب بما تقدّم من اختلاف حالتين ، وهو أنه قلّلهم أولا ليجترىء عليهم الكفار ، فلمّا التقى الجمعان كثّرهم في أعينهم ليحصل لهم الخور والفشل . الرابع : كالثالث ، إلّا أنّ الضمير في « مِثْلَيْهِمْ » يعود على المشركين فيعود ذلك السؤال ، وهو أنه كان ينبغي أن يقال « مثليكم » ليتطابق الكلام فيعود الجوابان وهما : إمّا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وإمّا عوده على لفظ الفئة الكافرة ، لأنها عبارة عن المشركين ، كما كان ذلك الضمير عبارة عن الفئة المقاتلة ، ويكون التقدير : ترون أيها المشركون المؤمنين مثلي فئتكم الكافرة ، وعلى هذا فيكونون قد رأوا المؤمنين مثلي أنفس المشركين ألفين ونيفا ، وهذا مدد من اللّه تعالى ، حيث أرى الكفار المؤمنين مثلي عدد المشركين ، حتى فشلوا وجبنوا ، فطمع المسلمون فيهم فانتصروا عليهم ، ويؤيّده : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ فالإراءة هنا بمنزلة المدد بالملائكة في النصرة بكليهما ، ويعود السؤال حينئذ بطريق الأولى : وهو كيف كثّرهم إلى هذه الغاية مع قوله في الأنفال : « ويقلّلكم في أعينهم » ؟ ويعود الجواب . الخامس : أنّ الخطاب في « لَكُمْ » و « ترونهم » لليهود ، والضميران المنصوب والمجرور على هذا عائدان على المسلمين على معنى : ترونهم لو رأيتموهم مثليهم ، وفي هذا التقدير تكلّف لا حاجة إليه ، وكأن هذا القائل اختار أن يكون الخطاب في الآية المنقضية وهي قوله : « قَدْ كانَ لَكُمْ » لليهود ، فجعله في « ترونهم » لهم أيضا ، ولكنّ الخروج من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أولى من هذا التقدير المتكلّف ، لأنّ اليهود لم يكونوا حاضري الوقعة حتى يخاطبوا برؤيتهم لهم كذلك . ويجوز على هذا القول أن يكون الضميران المنصوب والمجرور عائدين على الكفار ، أي : إنهم كثّر في أعينهم الكفار حتى صاروا مثلي عدد الكفار ، ومع ذلك غلبهم المؤمنون وانتصروا عليهم ، فهو أبلغ في القدرة . ويجوز أن يعود المنصوب على المسلمين والمجرور على المشركين ، أي : ترون أيها اليهود المسلمين مثلي عدد المشركين مهابة لهم وتهويلا لأمر المؤمنين ، كما كان ذلك في حق المشركين فيما تقدّم من الأقوال . ويجوز أن يعود المنصوب على المشركين والمجرور على المسلمين ، والمعنى : ترون أيها اليهود لو رأيتم المشركين مثلي عدد المسلمين ، وذلك أنهم قلّلوا في أعينهم ليحصل لهم الفزع والغمّ ؛ لأنه كان يغمّهم قلة الكفار ويعجبهم كثرتهم ونصرتهم على المسلمين حسدا وبغيا . فهذه ثلاثة أوجه مترتبة على الوجه الخامس ، فتصير ثمانية أوجه في قراءة نافع . وأمّا قراءة الباقين ففيها أوجه : أحدها : أنها كقراءة الخطاب ، فكلّ ما قيل في المراد به الخطاب هناك قيل به هنا ، ولكنه جاء على باب الالتفات أي : التفات من خطاب إلى غيبة .
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية ( 44 ) .